على كل الغائبين ننادي.. ثم نبحث أين نحن
ما دار في جلسة الغياب.. وما سنناقشه في جلسة الذنب عبر الحدود
إن كان لديك صديق مثقف يبتليك بما يستخرجه من قاع روائع السينما، نهدي إليك في آخر العدد اقتراحًا سيُفحمه!
أهلًا بالجميع 👋🏼
عقدنا جلستنا السابقة عن الذنب والغياب، يوم الأحد 31 أغسطس. هذه المرة أيضًا عقدناها أونلاين، لأن ضيفنا العزيز عبد الرحمن الجندي هو كاتب يعيش في المنفى، غيّبته مصر خارجها بعدما غيّبته داخلها، ويبقى في حياته الكثير من الغائبين، علَّ الله يجبر كل غياب، ويُسكِن كلَّ قلب مطرحه.
لو لم نعقد الجلسة أونلاين، لكنا عقدناها بجمعية الفكر العمراني (مجاورة) بحي الخليفة التاريخي، لاهتمامها بالتراث الثقافي والعمراني وحفظه من الغياب، الذي لا يطال البشر فقط، بل التراث كذلك، ليقتص في النهاية من الذاكرة، أبقاها الله لنا سالمة غانمة.
ملخص الجلسة السابقة: الذنب والغياب
🗣️ بدأ عبد الرحمن الجندي الجلسة من عمق الخاص، من تجربة سجنه مع والده، ومصارحتنا بشعوره المستمر من وقتها بأنه كان السبب في سجن أبيه: «الذنب الأول زي ما آدم كل التفاحة بالنسبة ليا إن أنا حبست بابا»، رغم أنه يعلم أن السياق أكبر من ذلك، كما ذكرته جنة، مستنتجًا من أن للذنب طرقًا ملتوية. ألقى هذا الذنب الأفعواني بعبء نفسي لا يُحتمل على عبد الرحمن داخل السجن، مشكلًا «حبسة جوا حبسة»، فبدأ لا شعوريًا تفادي وجود أبيه؛ فلا ينظر إليه إن رآه في أوقات التريض ولا يذكره في كتاباته حينها ولا بعدها حتى وقت قريب. وإذ أن للذنب طرقًا ملتوية بين المشاعر الأخرى أيضًا، شاركتنا نورهان لحظة أن تعرفت على جثة خافت من أن تكون لأخيها المختفي، واتضح أنها لغيره، ففرحت، ثم حل الذنب بعد الفرحة، لأن لكل ميت أهلًا كذلك.
استكمل عبد الرحمن استكشاف مصطلح «حبسة جوا حبسة»، ودعانا لمشاركة ما قد تنطبق عليه المقولة خارج السجن. طرح إسلام فكرة أن التمرد نفسه قد يكون حبسة جوا حبسة لأن السلطة دائمًا تشكله، وعلى شاكلة السلطة يأتي التمرد، كما ذكر مثال المسار المهني في العمل بصفته حبسة تحدد ما يقضي الإنسان فيه عمره وإن كان يؤديه مضطرًّا. وعاد أحمد سمير بالمصطلح إلى سياق السجن، وذكر أن حبسته اللي جوا الحبسة كانت مقارنات عبثية، تعرض لها داخل الاحتجاز، من زميل لا يطاق كان يعايره بأنه سجين له امتيازات -لا تتجاوز وجود سرير أو حمام في الزنزانة-، وبالتالي أصر على إشعاره بالذنب لكونه «أقل معاناة»، حتى وهو داخل الحبس.
ثم عاد عبد الرحمن للحديث عن أيمن موسى، صديقه الذي هوّن عليه السجن وما فيه من ضنك وبلاء، وعن شعوره بذنب الناجي لخروجه وبقاء أيمن بالداخل. يشعر عبد الرحمن أن خروجه لم يكن نتيجة فعل، بل نتيجة سلسلة من الصدف، وأنه لا يستحق النجاة أكثر من أيمن. ثم وسع عبد الرحمن الفكرة بالحديث أن ذنب النجاة قد يأتي من كل خطوة في الحياة إلى الأمام، بعيدًا عن الماضي حيث كان حضور الغائبين. ردًّا على ذلك، شاركت لجين بتجربة حب امتدت لثلاث سنوات مع شخص معتقل، وكيف أنها حاولت محاكاة سجنه في حياتها اليومية، بألا تأكل ما طاب، ولا تنام على ما يريح. وقالت نورهان إن هذا كان ذاته ما فعلته والدتها بعد اختفاء أخيها، محاولة مشاركة ابنها الغائب ولو وجدانيًّا. يعيش ذنب النجاة حتى في ثنايا الفعل اليومي العادي، ويطرح نصالًا حادة تسأل إن كنا بحياتنا اليومية ننسى الغائبين أو نخونهم، وإن كان لأي بديل أن يعوض غيابهم أو ينقذهم من غياهب الغياب. الذنب هنا ليس فقط في النجاة، بل في تهديد زلات الذاكرة، وعجز الشهادة، والخوف من تثاقل حمل القصص التي لا يستطيع أصحابها روايتها.
- - - 🔔 بريك - - -
🍵 هذه المرة، أخدنا بريك. ولأننا غائبين عن أعين بعضنا، لم ندرِ ما شربه أو أكله كل منا. كل واحد بشوقه. ربما كان أفضل ما يعبر عن غياب المكان واللقاء المعلق هو الشاي بلبن، وإن لم نستسغه جميعًا بالضرورة، خصوصًا فكرته، لأنه يعد دائمًا بلقاء دافئ حميمي، بحسب ما غنت الأستاذة يسرا الهواري، وهي أعلم، ولأنه -إن تأملناه- مشروب عجيب غريب، يغيب فيه الشاي تحت وطأة اللبن التي تُفقِد اللبن نفسه براءته، بينما يظل للشاي حضور مستتر من خلف الغياب. هل خمنتم من كتب هذه الفقرة؟ هو إسلام الملفقاتي المأيفاتي، مع خالص تحياته.
- - - 🔔 رجوع من البريك - - -
🗣️ ثم انتقلنا إلى قصيدة «زينب» التي كتبها أحمد الطحان بعد انتحار صديقته المقربة. القصيدة كانت مدخلًا لتأملات جديدة في الذنب والغياب والحب والسلطة والذاكرة. عبد الرحمن وصف القصيدة بأنها عشوائية مقصودة، تتنقل بين الحميمي والسياسي، وبين المانجا والبسبوسة، وبين مشرحة زينهم ومشرحة الدولة. فتحدثت نورهان عن أن السلطة تُصعّب الحب، وتُحوّل العلاقات إلى حصار وتهديد دائم بالغياب والفقد. وقد تكون السلطة هي المجتمع والأسرة، فشاركت لجين بقصة عائلية مؤلمة عن تغييب جدتها البيولوجية، وكيف أن الغياب الأول يُنتج ذنوبًا متوارثة، وأن النساء في العائلة يحملن هذا الذنب كإرث غير معلن. وحتى من دون السلطة، تحدثت إيمان عن الذنب في العلاقات عامةً، حين ينسحب أحد الأطراف فجأة، فنبدأ في مراجعة كل كلمة، وكل تصرف، بحثًا عن السبب فينشأ الذنب من عدم الفهم، ومن الرغبة في الإمساك بما لا يُمسك. وعاد إسلام ليتأمل كيف أن الذنب قد يصبح جزءًا من محاولة تكوين الهوية، ومن القصة التي نحاول صياغتها عن أنفسنا، ومن غياب فعل في الماضي نفترض أنه كان من صميم هويبتنا ولكننا قصرنا عنه، فيكون الذنب شعورًا وأداة سردية، نبني بها ذواتنا، ونلصّم بها هويتنا حين لا نكون كما نريد.
وختم كريم الكلام عن القصيدة برؤيته أن الذنب قد يكون وسيلة لاستئناس الحقيقة، وأن القصيدة نفسها قد تكون محاولة لترويض الألم، أو لتقريبه من الفهم. عبد الرحمن أكد ذلك، وشارك كيف أن الكتابة كانت وسيلته لنجاته داخل السجن، لكنها أيضًا كانت انفصالًا عن الواقع، حتى بعد الخروج. أما ربى (الفنانة الغزاوية)، فأضافت منظورًا ناجيًا من الإبادة، متأملة في رفاهية التساؤل عن النجاة، مقارنة بمن يعرف النجاة بأنها مجرد البقاء حيًا. تحدثت عن الغضب، وعن العجز، وعن كيف يمكن تحويل الذنب إلى فعل، لا إلى جلد ذات. كانت شهادتها ختامية ومؤثرة ومشحونة بالصدق.
في نهاية الجلسة، أطلق عبد الرحمن تمرينًا شعريًا جماعيًا، أسماه لحظة صفاء بـ «أكمل الذنب»، مستلهمًا من تقنية الـ «Exquisite Corpse»، حيث أجاب المشاركون على سلسلة من الأسئلة دون تفكير مسبق، لتكوين قصائد جماعية من الذنوب والاعترافات. كانت لحظة ختامية تجمع بين اللعب والبوح، بين التوثيق والانفلات، وبين الذنب كهوية والكتابة كنجاة. تفضلوا بالاطلاع على التمرين وإجاباتنا من هنا. الجزء الأول من الجدول هي الإجابات المبدئية التي أجاب بها كل منا في سطر منفصل، والجزء الثاني هي الإجابات بعد إعادة ترتيب عشوائية، مكونةً إجابات مركبة تخلط تجاربنا جميعًا، لنرى أنها كلها بتغني على الموال نفسه وإن تنوعت، كما قال عبد الرحمن. نعتذر مسبقًا اعتذارًا بلا ذنب عما جادت به الخواطر من شتائم وكلمات غير مهذبة، جعلت كريم يندم بعد الانتهاء من إجابته لأن «ماحدش قالي إني ممكن أشتم عادي».
من وحي الجلسات
🔊 تشاركنا فريال أحمد (أخصائية نفسية وكاتبة) نصها وحكايتها التالية عن صداقة منذ الطفولة وقفت دائمًا على حافة الغياب، وعلى شفا الفقدان، في أشد أشكالهما قتامة وأبعدها أملًا في اللقاء. نشكر فريال على إجادتها بما في قلبها، وائتماننا جميعًا عليه🤍.
مطالعات الجلسة القادمة: الذنب عابر الحدود
ننتقل في الجلسة القادمة لآخر موضوعاتنا. في الجلسة الأخير ما قبل الختامية، نناقش موضع الذنب وفاعليته وسط الحروب والإبادات، وجدوى كل الكلام تحت وطأة المصائب.
📖 في الجلسة القادمة نقرأ:
1- كتاب صهر الوعي - وليد أبو دقة - فصل عقيدة الصدمة صفحة 35 - 40.
2- كتاب هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ - غاياتري سبيفاك - صفحة 103 - 118 (اضغط هنا لنسخة مفتوحة المصدر)
3- أسس التوليتارية - حنة أرنت - فصل الطبيعة الاجتماعية للجماهير صفحة 180 - 230 (اضغط هنا لنسخة مفتوحة المصدر)
4- أيخمان في القدس - حنة أرنت - الفصلان السادس والسابع والخاتمة (صفحات 135 – 170 + 285 – 315) (اضغط هنا لنسخة مفتوحة المصدر)
🔊 في الجلسة القادمة نسمع:
1- لقاء بودكاست جديد مع الكاتب ساري عرابي (من الدقيقة 50:33 ملاحظات على النخب الثقافية، ومن الدقيقة 01:02:44 تفكيك الحالة النضالية بالجامعات)
هدية العدد: فيلم «Come and See»
فيلم «تعالَ وانظر» من إنتاج 1985، يحكي عن أهوال الحرب العالمية الثانية، من منظور الطفل فلورا في بيلاروسيا الذي يحلم يومًا بالانضمام للمقاومة ضد القوات النازية، لتتحطم براءته، وحبه لفتاة شاركته ألمه، حين يشهد إبادة قريته. لا نخفيكم سرًّا، لا يمنحنا الفيلم راحة الهروب، ويجبرنا على أن «نرى» الحقيقة العارية للحرب، دون تجميل أو تبرير، ويدفعنا للتساؤل إن كان يمكن أن تبقى فينا من البراءة نزرًا وسط الظلم، وأي مقدار من الذنب بوسعنا تحمله، وإلى أين به نمضي.
وبالإضافة إلى ذلك، فهو فيلم سوفييتي، يُمدح لجرأة صورته وتمام تكوينه وشجاعة سرده، يمكنك أن تتعالى به على صديقك المثقف الذي يبتليك بأفلام يأتي بها من حيث لا تدري.
شارك معنا!
✨ عندك نص مكتوب أو عمل فني أو بحثي أو تجربة تتعلق بالذنب عبر الحدود والحروب والأهوال؟ أو ألقيت نظرةً على المطالعات وجاءتك أفكار من حيث لا تدري؟ نتمنى منك أن تشاركها معنا على رسائل Substack، بحد أقصى يوم الأربعاء 10 سبتمبر 9 مساءً، وسننتقي منها ما نقدر على نشره في رسالتنا البريدية القادمة ✨
💬 عندك تعليقات على ما حدث في الجلسة السابقة وما جاء في النشرة البريدية؟ لا تبخل علينا بها في التعليقات.
نشرة «حد نجا؟» بدأت بكل من قدموا لحضور الورشة، لكنها تتوسع باستمرار، بدعم الداعمين وحب المحبين. فهل حابب تشارك النشرة مع آخرين؟ خد راحتك. بيتك ومطرحك يساع كل الحبايب 🏡❤️
نشوفكم الرسالة الجاية 👋🏼
تحياتنا، مع خالص الحب ❤️






