ما بعد «الحلم العربي».. وما نعنيه بالنواح
ما دار في جلسة الذنب عبر الحدود.. وتمهيد للوداع
يعتذر المحرر عن تأخر إرسال الرسالة لأسباب هلامية غير مُحدَّدة، لكنه حاول التكفير عن ذنبه فجمع لكم باقة من أروع أغاني الذنب، تجدونها في هدية العدد.
أهلًا بالجميع 👋🏼
عقدنا جلستنا الماضية يوم الأحد 7 سبتمبر في ضيافة مركز مدرار للفن المعاصر عن الذنب عبر الحدود، وهو مكان يناسب التساؤلات التي طرحناها في الجلسة عن مشاعرنا وراء ما تشكله الصورة والمفاهيم والتكوينات المعرفية، وإن كان لكل هذا من قرار، ولكل ذلك من منفذ. كانت ضيفتنا في الورشة هي كرمل العباسي، وهي فنانة فلسطينية متعددة الوسائط، ولدت في مخيم اليرموك بسوريا ونشأت في مدينة غزة، وتنقلت بفنها ودراستها الأكاديمية وإقامتها بين بلدان العالم، لتستقر حاليًا بالنرويج، كما تشرفنا نحن منسقي ورشة «حد نجا؟» بمزاملتها في معمل أنثروبولوجي بالعربي.
ملخص الجلسة السابقة: الذنب عبر الحدود
🗣️ بدأت كرمل النقاش بالسؤال: كيف ينشأ التضامن مع قضايا معينة في العالم، بينما يتوارى أمام قضايا أخرى؟ لفتت كرمل بالسؤال انتباهنا إلى أن العالم حاليًا يحمل على بسيطته -غير المبسوطة- العديد من الصراعات والحروب التي تشمل بعضها إبادات بشرية كذلك، مثل السودان والكونجو، وغيرهما، فلماذا تتصدر قضية غزة المشهد بالتحديد؟ كانت مساحة لإثارة التساؤل علها تساعدنا على فهم مشاعرنا فهمًا أوضح.
تعددت الأصوات للتفسير. فريال رأت أن الاهتمام بمآسي أرض الله الواسعة كان موجودًا قبل الإبادة في غزة، لكن غزة رفعت سقف الوحشية فصار كل شيء بالنسبة لها هيّنًا، بينما ربطت جنة الأمر بقدرة إسرائيل على جذب الانتباه بعد السابع من أكتوبر لتسويق نفسها عالميًا لتخلق حالة من التعاطف والتواطؤ مع المحتل حدث أن انتقلت إلى الضفة الأخرى. منجي اعتبر أن الصراع مع إسرائيل هو ما أُنشئنا عليه منذ الصغر وبذلك نفهم أبعاده، وهو بالتالي أوضح وأقرب لنا من غيره، كما أنه يتبدى لنا دائمًا صراعًا أبديًّا لا ينتهي، بعكس صراعات أخرى تبدو -مهما طالت- مؤقتة ولا بد من نهايتها يومًا.
إيمان اقترحت أن الاهتمام النفسي غالبًا ما يتوجه للعدوان الخارجي لا للحروب الأهلية، في حين لفت مارك نظرنا إلى بعدٍ عنصري كامِن في حظ التغطية والتعاطف؛ فحرب غزة تتضمن رجلًا أبيضًا، وهو ما يذكرنا بكلام محمود درويش عن أن «العالم يهتم بنا لأنه يهتم بكم»، والمعروف أن مارك فيه الكثير من كاريزمة درويش. كريم شدد على أن التضامن ليس محايدًا ولا ممارسة بريئة، فلا بأس إذن بالاعتراف بتحيزنا -في مصر- لفلسطين على حساب قضايا أخرى. أما عائشة فربطت ذلك بعوامل عاطفية ودينية، فيصبح الأطفال الغزاويون جزءً من خطاب عاطفي متوارث نحفظ أسماءهم على عكس جهلنا بأطفال السودان واليمن، فيغيب السودانيون واليمنيون عن المخيلة العامة بسبب ضعف المعلومات ووهن الخطاب.
اتفق الجميع تقريبًا على أنّ الشعور المشترك مع الذنب في هذا الصدد كان الغضب، لكنه غالبًا ما يُترجم إلى عجز أو شلل. وهنا تطرقنا إلى أفكار وليد أبو دقة، في كتابه «صهر الوعي»، خاصة حول نقاشه عن آلية «برمجة» المجتمعات العربية بعد الصدمات الكبرى، لتتحول كل الطبقات إلى مجرد جمهور يشاهد بدلًا من أن تكون حاضنة لحركات فاعلة اجتماعيًّا. هذا التحول صعَّب الحفاظ على التضامن أو تحويل الألم إلى فعل سياسي مستدام. طبقنا الكلام على مصر وما بعد 2011، فسألنا كيف وصل الناس من لحظة الثورة إلى مرحلة الانسحاب والعجز عن الحركة حتى لأجل قضاياهم الشخصية؟ أشار البعض إلى أن الأنظمة الفاشية أعادت تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية بشكل يجعل الفرد نفسه، لا النظام، هو التجسيد المباشر للسلطة.
ثم عدنا إلى كتاب «صهر الوعي» وعقيدة الصدمة التي ربطتها كرمل بالثقافة الشعبية بصفتها أداة لإعادة برمجة الوعي الجمعي وتخديره. ظهرت أمثلة من الأغاني والأفلام، من أغنية مطلوب زعيم لكايروكي إلى مسلسلي جعفر العمدة والاختيار، حيث تتأرجح الثقافة بين التحريض والاحتفاء البالوني وتسليع المعاناة. النقاش هنا أضاء خطورة تحول التضامن والفن إلى مخدر للضمير، بدلًا من أن يكون أداة للتغيير.
- - - 🔔 بريك - - -
🍵 ساندوتشات الشاورما اللي من ١٤ سنة اصبحت جبرًا لكل قلب مكسور كانت حاضرة في البريك. الشاورما في مصر، اللي ارتبطت بالتهجير القسري للسوريين، أصبحت رمزًا يوميًا ملموسًا لغياب العدالة. وباضطرار السوريين لترك مدنهم وبيوتهم، وجدوا في المطبخ وسيلة للبقاء والاندماج. لكن كل سندوتش شاورما بيتحمل، من غير ما نشعر، إرث من الفقد والخيانة الدولية: إحساس السوري بترك بلده، لا باختيار فردي، لكن نتيجةً مباشرة لتواطؤ دولي وإقليمي في سحق ثورته وإطالة مأساته.
هنا يظهر الذنب عابرًا الحدود؛ مش بس ذنب شخصي للسوري اللي بيترك بلده ويطبخ لشعوب كتير، بل ذنب موزّع على منظومة عالمية سمحت للقمع أن يستمر وأن يحيا، وتركت الشعب السوري يواجه مصيره. احنا بناكل الشاورما باستهلاك عادي، لكن في جوفها تاريخ من التهجير والخذلان، كأنها شهادة يومية على فشل التضامن العالمي. المطبخ، اللي عادة ما يُقرأ كمساحة ثقافية بريئة، بيتحوّل إلى حامل لذاكرة الذنب؛ ذنب الرحيل، وذنب الخيانة، وذنب الصمت الدولي. بهذا المعنى، ساندوتش الشاورما مش بس وجبة سريعة، لكنه تجسيد لكيفية انتقال الذنب مع الناس، واستقراره في الأسواق والشوارع. هو يذكّرنا بأن الطهي فعل للبقاء، وفي الوقت ذاته تذكير صامت بالخذلان الجماعي الذي جعل من المطبخ بديلًا عن الوطن.
- - - 🔔 رجوع من البريك - - -
🗣️ طرحت كرمل أيضًا مسألة الحق في الكلام: من له الحق في حكي القصة؟ وذكرت مثال فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، ومشهد الاحتفاء به لفوزه بجائزة في مهرجان البندقية السينمائي، وما إذا كان من الأخلاقي أن يتحدث غير الفلسطيني باسم الضحايا، أو أن يُسلّط الضوء على معاناتهم بطريقة تكرس الهيمنة، كما رأت كرمل وعدد من المشاركين. النقاش لمس حدود الممارسة بين الرغبة في الفعل والخوف من الاستحواذ على المنصة، ويكأن كوثر مارست ممارسة الرجل الأبيض. ظهر كذلك البُعد التاريخي: كيف استُخدمت القضية الفلسطينية ذريعةً للأنظمة القمعية في المنطقة لتبرير الاستبداد باسم المقاومة؟ وكيف تغيرت السردية من جيل لآخر، من خطاب قومي ثوري إلى خطاب نيوليبرالي أو فارغ من المحتوى السياسي؟
في ختام الجلسة، عاد النقاش إلى الثقافة العامة (بوب كالتشر) وأنواع الخطابات، فطرحت كرمل مثال أغنية الشيخ إمام «يا فلسطينية» التي حملت وعودًا وآليات جماعية، تعطي الكلمة لأصحاب القضية ولا تسرقها بالغناء، وقارناها في المقابل بمثال أوبريت «الحلم العربي» الذي يعيد استهلاك الشعارات والرموز القديمة الهامدة المنبتة، لتصبح أحيانًا مجرد تريند أو احتفال، بدل أن تبقى نداءً للتحرر. الحقيقة أن الجلسة حاولت تفكيك الوعي بآليات «البرمجة» التي جعلت المجتمعات أقرب إلى جمهور متفرج منها إلى فاعلين سياسيين، مع محاولة دائمة لإيجاد مساحات جديدة للتفكير في التضامن والعمل المشترك.
من وحي الجلسات
هذه الصورة لباقة من أوسم شباب الورشة. على أقصى اليسار يدخّن كريم منسي بإصرار نظرة ثاقبة تشبه نظرة كاتب حفر اسمه على جبين التاريخ لكنا نسينا اسمه. وعلى أقصى اليمين تتشبث أطراف ما تبقى من اهتمام محمد حاتم بعقب سيجارة هييجي غيرها عادي. وجانب كريم، يشارك محمد يحيى بالتدخين السلبي من باب التضامن. وبالنظارة السوداء، يشارك مارك حنين من باب الروشنة. بهذا يتبقى لنا شخصان في الصورة يقفان على يمين مارك ويساره، هما أحمد منجي وأحمد سمير، أو أحمد سمير وأحمد منجي.
هل تغريك جاذبية الوسامة لمعرفة أيهما يكون أيهما؟ في كلا الحالتين، ستجد الإجابة في المنشورين التاليين، الذي يحكي فيهما سمير ومنجي ومنجي وسمير عن الجلسة وملخصها من وجهة نظر كل منهما. اضغط هنا للتعرف إلى أحمد سمير وقراءة ملخصه، واضغط هنا للتعرف إلى أحمد منجي وقراءة ملخصه.
من وحي النيوزليتر
🔊 يشاركنا صديق النيوزليتر مصطفى القاضي عن تجربته مع الذنب على وقع المسافة بين ما هاجر إليه وما يتركه خلفه، وعن تداخل قراءته للنيوزليتر مع تجربته في السفر والمسافات. شكرًا جزيلًا لمصطفى لمشاركتنا هذه الكلمات، متمنين كذلك أن نلقاه وكل قراء النيوزليتر يومًا ما 🤍.
الجلسة القادمة: الختام
متمنين أن نلقى السلام في كل ختام، جلستنا القادمة ستكون هي الجلسة الختامية، وهي جلسة بلا قراءات مسبقة، نستهدف فيها مناقشة أفكار المشاريع الفنية التي جادت بها قلوب المشاركين وعقولهم، وتطويرها لتكون جاهزة للإنتاج الفني. انتظرونا في الرسالة القادمة، التي ستكون الأخيرة في هذه السلسلة، بتفاصيل أكثر عن خطتنا لما بعد الورشة.
هدية العدد: القائمة المطلقة غير النهائية لأغاني الذنب (والنجاة)
في هذه الرسالة ما قبل الختامية، نهدي إليكم قائمة مجمعة لأغاني الذنب، حاولنا الابتعاد فيها عن الأستاذ تامر عاشور وأنا خنتك امبارح للأستاذ تامر حسني لمنع سيطرتهما المطلقة على مجريات الخطاب، لكنها تبقى قائمة غير نهائية لأنها تقبل إضافاتكم واقتراحاتكم التي نستقبلها بكل سرور في التعليقات.
شارك معنا!
💬 عندك تعليقات على ما حدث في الجلسة السابقة وما جاء في النشرة البريدية؟ لا تبخل علينا بها في التعليقات.
نشرة «حد نجا؟» بدأت بكل من قدموا لحضور الورشة، لكنها تتوسع باستمرار، بدعم الداعمين وحب المحبين. فهل حابب تشارك النشرة مع آخرين؟ خد راحتك. بيتك ومطرحك يساع كل الحبايب 🏡❤️
نشوفكم الرسالة الجاية والأخيرة 👋🏼
تحياتنا، مع خالص الحب ❤️



