ما لنا وما لمال الرأسمالية؟
ما دار في جلسة الرأسمالية.. وما سنناقشه في جلسة القانون
هدية العدد ستُبئسُك!
أهلًا بالجميع 👋🏼
عقدنا جلستنا عن الذنب والرأسمالية، يوم الأحد 17 أغسطس، في جزيرة القرصاية التي تتوسط النيل في قلب العاصمة الخرسانية، التي بتطويقها الجزيرة جعلتها كحديقة حيوان، ترى فيها البهائم والحمير في غيطان خضراء، كريف ليس ريفًا، وكمأوى لفأر المدينة الذي لم يعد له ريف، تسخط على تجاهل خدمات المدينة لناسها، إذ لا طريق لها إلا بمعدية نيلية، وفي الوقت نفسه، تدعو لها بالسلامة من التجريف وتمدده.
كنا بالتحديد في ضيافة «شوكة ومجداف»، المكان المرحاب الذي يستضيف الفعاليات الثقافية، مثل جلستنا، كما يعِد أبناء المدينة العالقين في رحمها الجاف بتجربة ريفية من الفطير المشلتت والجلاش الموصى به. ويتبع المكان مبادرة «very nile» العاملة على إعادة التدوير وتنقية مياه النيل وتدوير عجلة اقتصاد ما من نفحات المدينة على يد بنات الجزيرة وأبنائها. المكان المضياف يعد بالحياة، ويطرح في الوقت ذاته العديد من التساؤلات، فكان مناسبًا للرأسمالية وشجونها.
كان معنا في الجلسة حسين الحاج، وهو مترجم ومحرر، من القائمين على موقع كتب مملة ومبادرة ترجمان، وهو من محرري برنامج في الحضارة، وله اهتمام خاص بالرأسمالية والشيوعية والأنركية يظهر خاصةً في ترجمته لكتابي «ضد المطعم» و«12 أطروحة حول تغيير العالم».
ملخص الجلسة السابقة: الذنب والرأسمالية
🗣️ في البداية، لعبنا لعبة صغيرة عن التعاطف. عرض علينا حسين مجموعة من المواقف تسأل إن كنا لنشعر بالتعاطف مع من يمر بها، وتعددت الإجابات. أشار كريم منسي إلى أن التعاطف يعتمد على قدرة الإنسان أن يتخيل نفسه مكان الآخر، أما إيمان العوامي فرأت أن التعاطف شعور يمكن تنظيمه حسب أولويات الإنسان. أكد حسين في النهاية على أهمية التعاطف وسيلةً لكسر شعور الذنب الفردي (مؤكدًا أن الذنب «شعور موحِد»)، وسبيلًا للخلاص الشخصي والجمعي، وأضاف في لفْقة من الحكمة، تستمد من إجابات المشاركين، أن ما يمنعنا عن التعاطف هو مسببات العجز التي من بينها الفقر، وأشياء أخرى.
ومن أين يأتي الفقر يا خال؟ من الرأسمالية. فهي ليست نظامًا اقتصاديًّا مجردًا، بل هي منظومة ثقافية وشعورية تحكم علاقتنا بالنفس، راميةً بأغلالها في المساحة الخاصة، فتعيد مثلًا تشكيل أوقات الفراغ في الإجازات واللانش بريك والويك إند التي نشعر فيها بالذنب إن لم «نستغلها» فيما يجب، كما تحكم علاقتنا بالآخر، محوّلةً كل فعل، ومن قبله كل شعور، إلى سلعة محتملة تُقيَّم بمنطق الإنتاجية والكفاءة، راسمةً دائرةً لأفرادها لا يحيدون عنها ويداومون عليها، فتصير الرأسمالية منظومةً دينية تفرض طقوسها وعقائدها المتلوّة في لوائح العمل وفيديوهات البروداكتفتي وتطبيقاتها، التي، من بين ثناياها، ينفث شعورُ الذنب وثاقَه على صدور الأفراد، فيستمر النظام. واستعار حسين مثال «العصا والجزرة» لبيان قدرة الرأسمالية على الجمع بين العنف المباشر بالقمع والتجويع، وبين الإغراء المتجدد بالطموح والسلع. للذنب، بين هذين الحدَّين، مراعٍ يرتع فيها ويتصدر، سواءً عمل الفرد أكثر من المطلوب أو أقل، وسواءً استهلك كثيرًا أو تقشّف. الذنب في الرأسمالية هو ذنب لا يودّي ولا يجيب. هو ذنب يضمن الاستمرارية في دائرة محكمة، دينية الطابع بامتياز.
ولتوسيع هذا المعنى، قرأنا سويًّا نص «الرأسمالية كدين» لفالتر بنيامين، الذي علق عليه حسين بأن للرأسمالية ثلاث سمات دينية أساسية. أولها، أن الرأسمالية دين عملي وتعبدي لا يقوم على عقيدة محددة، بل على العبادة بالأفعال اليومية المتكررة. وثانيها، أن الالتزام فيها دائم غير منقطع، بلا راحة أو توقف، ولا توجد أيام عادية، فهي إما مساء يوم عمل، أو نهاية أسبوع عمل، أو إجازة من العمل، وبعدها لا يجد الموظفون والعمال وسيلةً للتنفيس غير الاستهلاك بشكل أو بآخر. وثالثها، أن الرأسمالية تأسر الزمن، فيكون السؤال الدائم لكل فرد واعٍ هو: «متى أستريح؟»، والإجابة غالبًا هي أنه لا استراحة، ولا مهرب من الإيقاع المفروض. يشير بنيامين إلى أن دين الرأسمالية لا يسمح بالكفارة لأتباعه، ولا يتهاون مع محاولات إصلاحه داخليًا، مما يؤدي في النهاية إلى شعور باليأس، مع مساحة من طموح محدود آخره خلاص فردي يأمل في الراحة للنجاة.
- - - 🔔 بريك - - -
🫒 ما الذي خسره الإنسان من الانحباس داخل المدينة؟ الكثير من الأشياء، لكن الفطير المشلتت يصلح رمزًا لجميعها. رقّات فوق رقَّات، تضم بعضها في بعض ولا تتداخل، بحرَمٍ من دفء السمنة الفلاحي، يفوح بعضُه كلًّا، وبوجهه المُذهب، يبذل نفسه تحفةً للملتفين. الفطير المشلتت هو العز بعينه، كريمُ الوعدِ يحمل من الغموس ما انفتحت له نفس آكله، مع أنه هو في نفسه يكفي وزيادة. كان هذا هو ما أكلناه، أو على الأقل ما أكله من لحق منه نزرًا، بالإضافة إلى قطع الجلاش الحادق والحلو، وعصير المانجا الطازج الذي لحلاوته له الحق في لعن سلسفيل عصائر الفرغلي، مع احترامنا للفرغلي الأصلي، وكذلك لأشباهه.
- - - 🔔 رجوع من البريك - - -
🗣️ حكت لنا عائشة مثالًا صارخًا مضحكًا للرأسمالية، فبعد أن قُبِلت في إحدى المنظمات الدولية التي لطالما حلمت بالعمل فيها، وجدت مرتبها بالكاد يتجاوز ألفي جنيه، غير خالص من الضرائب والدمغات. كما نص عقد عملها على أنها وحدها مسؤولة عن سلامتها وحياتها في سفرياتها التي يتطلبها العمل. سألت عائشة عن حقها، فأخبروها أن ذلك كله يهون في مقابل التعلم واكتساب الخبرة وما يزدان به السي في، وأن المتوقع من أي متدرب بالمنظمة المتلألئة أن يكون من ولاد ناس اللي عينهم مليانة من غير حاجة. طبعًا، استقالت صديقتنا عائشة بعد ثلاثة أيام، كان منها يوم نظّمت فيه المؤسسة فعالية عن تمكين الشباب، فلا مكّنوا الشباب ولا مكّنوا عائشة.
وشاركتنا سارة جاسم (أكاديمية محاضرة في جامعة نيويورك أبو ظبي) أنه حتى في المؤسسات الأكاديمية، لا يسمح للمحاضرين بالاستراحة الطويلة إلا تحت مسمى «التفرغ البحثي»، الذي يضطر إليه بعض الأساتذة رغبةً في الراحة لا في البحث، وكأن الراحة ذنب لا يمكن المجاهرة به صراحةً. في هذا رأت سارة أن أي فعل فردي للهروب من الرأسمالية لن يخرج عن طوقها ومسمياتها. وفي المقابل، ذكرت سارة الغباشي جروب العواطلية على فيسبوك مثالًا لإمكانية التمرد الجماعي، لكن حسين أفسد متعتها بقوله إن الجروب رغم لذته ليس إلا مساحة يحاول فيها الأفراد الاستمتاع بمقاومة محدودة ضد العمل برأسماليته. ورغم أهمية الاستمتاع، فحسين يرى أن من المهم ألا ننغمس فيه لحد الوقوف عنده.
ماذا إذن بعد إفساد المتعة يا أخ حسين؟ بعد الفرجة على فيديو لعمرو خالد عن أهمية العمل يؤكد ما نحونا إليه في الجلسة، وفيديو العمل عبادة لأنديل، أنهى حسين الجلسة بأن ثمة وسائل جماعية للخروج من الورطة، عن طريق التعاطف والتضامن، والتجمع في مبادرات مشتركة، واستكشاف اقتصاد بديل يقوم على الهبة والرعاية المتبادلة، مع الاحتفاظ بالخيال مساحةً للتحرر من منطق الإنتاج المستمر، وللتطلع إلى عالم أفضل تتوزع فيه المسؤوليات بالعدل والإحسان.
أكرمنا كريم منسي بقوله إن ورشتنا هي مثال للمساحات القادرة على كسر دائرة الرأسمالية، بعد أن صدمنا بالتصريح عن إحساسه بضياع الوقت على الفاضي بعد كل جلسة من جلساتنا، ثم أوضح قصده بأن جلسات الورشة تهدف إلى ما هو أبعد من الإنتاجية للرأسمالية، وتوفر فرصةً للتفكير فيما هو خارج دائرتها. احترنا ولا نزال محتارين في كيفية الرد على كريم، لكننا نميل إلى الرد بشكر كريم وكل مشاركي الورشة وقراء النيوزليتر على ثقتهم الغالية التي لا تقدر بثمن.
من وحي الجلسات
📰 محمد يحيى (محاسب بوزارة العدل صباحًا، وكاتب يهتم بالثقافة وشؤونها مساءً) لديه جعبة تضم مقالات كتبها مسبقًا عن جميع مواضيع ورشتنا. ذهبنا إليه بعد الجلسة نسأله إن كان لديه شيء ما عن الرأسمالية، فشاركنا مقالًا كتبه عن أحمد أمين وبرنامج «الفاميليا»، ولم يردنا خائبين. يمكنك الاطلاع على المقال من هنا، والتنزه في جعبته المدوَّنة من هنا.
من وحي النيوزليتر
🎨 أبهرتنا الفنانة المشاركة بالورشة منى عصام الدين بمشروعها الفني المعاصر «بوتيك كيتي» الذي شاركت به في النسخة التاسعة من معرض روزنامة عام 2023 وفازت بجائزته. استلهمت منى الفكرة من إعلان رأته على فيسبوك عن «مطاوي هالو كيتي» للبنات. يمكنك الاطلاع على صور من مشروعها هنا، ومتابعة أعمالها من هنا.
مطالعات الجلسة القادمة: الذنب والقانون
في الجلسة القادمة، نختتم مرحلتنا الانتقالية بين الخاص والعام بمناقشة الذنب والقانون. والقانون، كما الدين والرأسمالية (وأحيانًا الجنس)، عصاه هو الذنب وجزرته هو النجاة من الذنب. فالذنب إذن هو دعامة القانون وظله.
📖 في الجلسة القادمة نقرأ:
1- مقال عن الأيام المظلمة: محاولات النجاة.. محاولات تدمير الذات - داليا عبد الحميد (اقرأه من هنا)
2- مقال معاناتي مع متلازمة الناجي - سالي توما (اقرأه من هنا)
3- مقال في مواجهة سؤال المثلية الجنسية: ما الدليل الأخلاقي للمواطن «العادي»؟ - داليا عبد الحميد (اقرأه من هنا)
3- اختياريًّا: ورقة Shame, Guilt and Remorse: Implications for Offender Populations (اقرأها من هنا)
هدية العدد: فيلم البريء
فيلم البريء لأحمد زكي ومحمود عبد العزيز والمخرج عاطف الطيب غني عن التعريف. يسائل الفيلم معنى الوطن وخدمته، ويعري القانون، بعقابه واضطهاده، بصفته أداة اجتماعية في يد ذوي السلطة، لا في تنفيذه فقط، بل في تنصيبه إلهًا أمام المجتمع. في الفيلم، نرى سبع الليل (أحمد زكي) يحاول النجاة من ذنبه بعد إدراكه أنه طبق عقاب القانون على من لم يرتكب ذنبًا في عينه، وإن ارتكب ذنبًا في عين القانون. مشاهدة ممتعة، وإن ثقلت بها الصدور.
شارك معنا!
✨ عندك نص مكتوب أو عمل فني أو بحثي أو مجرد تجربة تتقاطع مع علاقة الذنب بالقانون؟ أو ألقيت نظرةً على المطالعات وجاءتك أفكار من حيث لا تدري؟ نتمنى منك أن تشاركها معنا على رسائل Substack، بحد أقصى يوم الأربعاء 27 أغسطس 9 مساءً، وسننتقي منها ما نقدر على نشره في رسالتنا البريدية القادمة ✨
💬 عندك تعليقات على ما حدث في الجلسة السابقة وما جاء في النشرة البريدية؟ لا تبخل علينا بها في التعليقات.
نشرة «حد نجا؟» بدأت بكل من قدموا لحضور الورشة، لكنها تتوسع باستمرار، بدعم الداعمين وحب المحبين. فهل حابب تشارك النشرة مع آخرين؟ خد راحتك. بيتك ومطرحك يساع كل الحبايب 🏡❤️
نشوفكم الرسالة الجاية 👋🏼
تحياتنا، مع خالص الحب ❤️







