ملخص جلسة الأمومة.. وقراءات جلسة الأخوة
من الأمومة ومكمنها نعبر إلى الأخوة والصداقة وبحارها الغدارة
أهلًا بالجميع 👋🏼
الجلسة الماضية كانت عن الذنب والأمومة، عقدناها يوم الأحد 13 يوليو، في دوَّار للفنون والتنمية. اخترنا “دوَّار” مكانًا لجلسة الأمومة لأنه كالأمهات، يحاول بتفاصيله جاهدًا أن يؤدي متطلبات اسمه. وبعد أن يحاول، يصير كالبيت، أو على شاكلته.
الأجواء البيتوتية في دوَّار تبدأ من الباب الخارجي المغلق إلا للزائر المعرِّف لنفسه، وتستمر بالأجواء الهادئة دومًا، والإضاءة الصفراء الدافئة، والأرضية الخشبية التي تستحق أن تمشي عليها حافيًا إكرامًا للباركيه، وإن شئت أن تجلس على الأرض لك ذلك، أو على الكرسي فهو متوفر، وبالقواعد الأمومية المانعة لدخول الأكل والشرب في الغرف، لكيلا يغضب علينا الباركيه، والحاصرة للتدخين في البلكونة المستخبية بالمطبخ. كما أن دوَّار ينظم فعاليات متعددة موجهة للمرأة عمومًا.
شرَّفنا بالجلسة ضيفتان، الدكتورة شيرين أبو النجا، أستاذة الأدب المقارن ومؤلفة كتاب “رحم العالم”، والأستاذة نرمين نزار، الكاتبة والمترجمة، صاحبة ترجمة كتاب “أنتِ لستِ أمك”.
ملخص الجلسة السابقة: الذنب والأمومة
📥بدأنا الجلسة باللي بيسموه “تشيك إن”، بنصيحة غالية من الصديقة المشاركة بالورشة، فريال أحمد (كاتبة وأخصائية نفسية). تشارَكْنا ما جئنا محملين به من مشاعر وأحداث في البال والخاطر. ننوي أن تكون هذه فقرة اعتيادية في كل جلسة، وبالتالي وإن لم نذكرها في الرسائل القادمة، فاعلم أننا -بعون الله- قد التزمنا بها.
🗣️ بدأنا النقاش من استخدام الأم جسدها أداةً للمقاومة في صالح الأبناء، مثل استخدام شخصية “حوا” جسدها لحماية ابنتها “آية” المعنفة من أبيها في رواية “مخمل”، التي حللتها شيرين في “رحم العالم”. وبالإضافة إلى الأسئلة المعلقة بتحليل الكتاب عن ماذا إن لم يستطع حتى جسد الأم الوفاء بكامل الحماية، طرحت شيرين أسئلة أخرى عن حدود استحقاق الأبناء في جسد الأمهات، وماذا إن طالب الأبناءُ الأمَّ التوقف عن التضحية بجسدها في سبيلهم جميعًا أو سبيل أحدهم. ضربت نورهان حسن (محامية وكاتبة) نفسها مثالًا على أن الدور قد ينسحب على الأخت الكبرى كذلك.
أضافت المشاركات بالورشة، خصوصًا عائشة الجعيدي (باحثة وكاتبة)، وجنة عادل (كاتبة ومترجمة)، كيف أنهما تدخلا من قبل لحماية الأم أو الأب من تدهور الجسد. وأكدت جنة على أن “مافيش بني آدم بيحتفظ بجسده لنفسه” لأنه “لو عيي الناس هتاخد بالها منه”، وبالتالي فللأبناء قرار برأيها في حدود تضحية الأم بجسدها، حتى وإن كانت في سبيل الأبناء أنفسهم.
من الطرف الأيمن لمربع الجلسة، اعترض أحمد منجي (منسق ثقافي)، على أن القراءات كانت قاصرة على المدخل النسائي وتعامل الأمهات مع بناتهن والعكس. سألت عائشة: “البنت بتواجه أمها لما بتكبر وتدرك أنها ست بتكلم ست، لكن الولاد ماعرفش بيواجهوا أمهاتهم امتى”، قابلها يوسف داوود (كاتب) بحكايته عن قربه الشديد بوالدته وتشابه صفاتهما الموتر أحيانًا كأنما ينظر في مرآته. أكمل منجي متسائلًا إن كان في العالم نصوص عن الأم من وجهة نظر الابن، فأتحفنا أحمد سمير سنطاوي (كاتب ومترجم) بمقطع من قصيدة “اكره أمك” للشاعر عماد أبو صالح، قرأه من كتاب أخرجه من حقيبته هالاهوبا كالساحر من قبعته، وأكملت شيرين بذكرها ديوان “تصبحين على خير” للشاعر علاء خالد.
***
بريك
🍰 أمضينا البريك في المطبخ وبلكونته (للمدخنين). كانت درة التاج في البريك الكيكة التي أعدتها لنا خصيصًا أم لجين خيري، ثم بعدها بدرجات قطع الـ “ميني بين” التي سعت لمحاكاة سندوتشات الأمهات على السريع لكنها فشلت بالتأكيد، والعصائر التي نسينا إخراجها من التلاجة. انتظروا ظهورًا لنفس علب العصائر الجلسة القادمة، لأنه مافيش حاجة بتترمي.
رجوع من البريك
***
🗣️ بالإضافة إلى مرورنا على تيمات الأم المهزومة والمهمشة، والمعيدة لإنتاج القيم الأبوية في المجتمع الذكوري، ركزت نرمين على رأيها بأنه لا توجد في العالم أم مؤذية بإرادتها إلا في الحالات الشاذة، وضربت على ذلك مثالًا بـ “سكينة” قتالة القتلى نفسها، التي كانت تحب ابنتها بديعة قبل كل شيء وبعده، وبأم هنادي من “دعاء الكروان” التي وافقت على قتل ابنتها لحماية ابنتها الأخرى بالنهاية.
مررنا أيضًا على كيفية تشكيل المجتمع لمعنى الأمومة وتوقعاتها، فأضافت يمنى خطاب (كاتبة ومخرجة) زاوية الذنب الملقى على النساء اللاتي اخترن ألا ينجبن أصلًا، وعلى عار الهروب من الأمومة. أما سلفيا عزمي (باحثة ومترجمة)، التي جاءت الورشة مشككة في إحساس الذنب أساسًا، فبدأت تشمير ساعديها لضرب الكرسي في الكلوب والإزميل في الشندويل، وبدأت بالتقاط ما يعنيه الذنب لجميع من نطق بحرف في الجلسة، في استعداد لتفكيك المعنى، وربما طرح البديل. بلا أي ضغط على سلفيا، نتمنى لها التوفيق، وننتظر معكم نتائج ما ستسفر عنه محاولاتها الهدامة الواعدة.
في النهاية، دعونا الجميع لتسجيل خواطرهم وانعكاسات النقاشات على تجاربهم كيفما أرادوا. فجاد المشاركون بقلوبهم وما فيها. وما يلي مثال بالصوت الحي.
من وحي الجلسات
🔊 في المقطع التالي، تقرأ لنا جنة عادل ما جاد به علينا وعليها خاطرها بعد الجلسة، عن فعل الولادة وتراوحه بين تهديده بالموت وتبشيره بالحياة، وخصوصية الأمهات على هذا الخط الفاصل.
مطالعات الجلسة القادمة: الذنب والأخوة والصداقة
من الأمومة، نعبر في الجلسة القادمة، يوم الأحد 20 يوليو، إلى ديناميكيات الأخوة والصداقة، والذنب الناقح من سؤال “بعتني بكام يا عشري؟” وأمثاله.
📖 في الجلسة القادمة نقرأ:
1- كتاب الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي: من صفحة 36 إلى 66 بترتيب هذه النسخة مفتوحة المصدر
2- اختياريًّا: مقال أجمل الصداقات - توماس بروند، ترجمة يسري مرعي (رابط المقال)
هدية العدد: بلايلست ما قالوه للصاحب الساحب
🎁 بما أن الجلسة القادمة عن الأخوة والصداقة، يعني الجدعنة (أو لأ)، فكان من الواجب ألا نترك الفرصة دون أن نعد بلايلست من أروع ما غنوا عن الصداقة والصديق والخل والرفيق، أسهم فيها بشدة كريم منسي (كاتب وطبيب متنكر لطبه)، كما أسهمت سارة الغباشي (باحثة وفنانة) برائعة من روائع الفنان كريم كريستيانو.
البلايلست مرتبة موضوعيًّا لتبدأ من مناداة الصديق بأنه “جرحي جرحك عيدي عيدك”، لتنتقل إلى التغني بوجوده مع الحذر من غدره، ثم تتعقد في حبائل حسابات “أنا وأخويا على صاحبي” و”أنا وأخويا على أي حد”، لتبدأ العلاقة بالانهيار والتفكك وصولًا للتنويعات على جملة “سلام يا صاحبي”. كما أنها مرتبة إيقاعيًّا لتبدأ بهز الرأس، لتنزلق سريعًا إلى هز كل شيء آخر، مع مطبات عرَضية من الحزن.
نهديك إياها متمنين أن تستخدمها في نقد الثقافة الجماهيرية، أو في الفرفشة، أو كليهما معًا.
شارك معنا!
✨ عندك نص مكتوب أو عمل فني أو بحثي أو مجرد تجربة تتقاطع مع علاقة الذنب بالأخوة والصداقة؟ أو مررت على قائمة المطالعات وجاءتك أفكار من حيث لا تدري؟ نتمنى منك أن تشاركها معنا على رسائل Substack، بحد أقصى يوم الأحد 20 يوليو 9 مساءً، وسننتقي منها ما نقدر على نشره في رسالتنا البريدية القادمة ✨
💬 عندك تعليقات على ما حدث في الجلسة السابقة وما جاء في النشرة البريدية؟ لا تبخل علينا بها في التعليقات.
نشرة “حد نجا؟” بدأت بكل من قدموا لحضور الورشة لكنها تتوسع باستمرار، بدعم الداعمين وحب المحبين. فهل حابب تشارك النشرة مع آخرين؟ خد راحتك. بيتك ومطرحك يساع كل الحبايب 🏡❤️
نشوفكم في الرسالة الجاية 👋🏼
تحياتنا، مع خالص الحب ❤️





لم أكن أتوقّع أن يبكي. لم أطلب منه شيئًا، لا غفرانًا ولا اعتذارًا.
كنت فقط أتحدث، كما يفعل الكبار عندما يُمنحون أخيرًا حقّ التذمّر، أو ما يشبهه.
كان ذلك حديثًا عاديًا، لو لم يقرر بابا أن يُسقط كل أسلحتي فجأة…
في لحظة ما، لم يعد أبي. صار مجرد رجل.
صار جسدًا يجلس أمامي وبدأ ينكمش ينكمش،
صوتًا يتهدج بين البكاء وهو يقول: "أنا آسف." ألحقها بكلمات أخرى لم أسمعها جيدًا. كأن أحدًا ألقى حجارة في الماء الذي ظلّ ساكنًا لسنوات داخلي. اعتذر.
ببساطة مربكة، قال إنه أخطأ، وإنه لم يكن يعرف، وإنه، وإنه... وانهار.
وانهرت أنا، لكن دون بكاء. انهرت صامتًا في داخلي، لأني أدركت، فجأة، أن كل شيء قد سُحب مني،
الصورة، والمسافة، وحتى غضبي القديم.
أن يعتذر أبوك، متأخرًا، هو أن يُسحب من يدك سلاح كنت تحمل ثقله طوال حياتك،
أن يُسحب منك سببك. كيف أعيش الآن دون هذا الحائط، الذي أعلق عليه كل مظلومياتي؟
تظل لسنوات تنحت ملامحك حول فكرة: أبي ظلمني.
يقول وهو يتأمل الأرض: "كنت صغيرًا... ولم أكن أفهم."
ويبدو كطفل فقد طريقه في بيتٍ بناه بيديه.
وتكرهه.
تكرهه لا لأنه ظلمك، بل لأنه اعترف.
تكرهه لأنه هش.
لأنه الآن بلا دفاع.
لأنه يُحبك، تمامًا حين لم تعد تريده أن يحبك.
أحيانًا أفكر أني كنت بحاجة لأن يظل قاسيًا.
كنت أحتاج أبًا أقوى من ذلك.
لا هذا الجسد الذي يرتجف أمامي، ويطلب أن نبدأ من جديد.
في كتاب خطوط الضعف، يكتب علاء خالد عن الأب كظلّ لا يثبت، كصوت خفيض، كغائب يسكن البيت ولا يسكن القلب.
يبدو لي أحيانًا أنه كتب أيضًا عن أبي.
عن أبي الذي لا يجيد الكلام، فيصمت.
وعن أبي الذي تكلّم أخيرًا، فأسكتني.
لماذا لا نُشفى من آبائنا؟
لماذا لا نُشفى منهم حين يكونون أقوياء، ولا حين يُصبحون ضعفاء؟
كأنهم مرآة مكسورة، كلما رمّمتها أعادت إليك وجهاك مبعثرًا.
لا أكرهه.
لكنني منذ ذلك الاعتذار، لم أعد أعرف كيف أراه.
لم أعد أعرف إن كنت لا أريد رؤيته، أم لا أريد رؤية نفسي أمامه.
فأنا الذي طالما رغبتُ في مواجهته،
أصبحت أُفضّل أن أُشيح بنظري كلما التقت أعيننا،
كأن الاعتذار أغلق ما كان بيننا، لا العكس.
الآن، أتجاهله بهدوء.
لا لأنني أكرهه،
بل لأنني لا أملك لغة جديدة أكلمه بها بعد أن سقطت اللغة القديمة في دموعه.