Discussion about this post

User's avatar
yousef dawod's avatar

لم أكن أتوقّع أن يبكي. لم أطلب منه شيئًا، لا غفرانًا ولا اعتذارًا.

كنت فقط أتحدث، كما يفعل الكبار عندما يُمنحون أخيرًا حقّ التذمّر، أو ما يشبهه.

كان ذلك حديثًا عاديًا، لو لم يقرر بابا أن يُسقط كل أسلحتي فجأة…

في لحظة ما، لم يعد أبي. صار مجرد رجل.

صار جسدًا يجلس أمامي وبدأ ينكمش ينكمش،

صوتًا يتهدج بين البكاء وهو يقول: "أنا آسف." ألحقها بكلمات أخرى لم أسمعها جيدًا. كأن أحدًا ألقى حجارة في الماء الذي ظلّ ساكنًا لسنوات داخلي. اعتذر.

ببساطة مربكة، قال إنه أخطأ، وإنه لم يكن يعرف، وإنه، وإنه... وانهار.

وانهرت أنا، لكن دون بكاء. انهرت صامتًا في داخلي، لأني أدركت، فجأة، أن كل شيء قد سُحب مني،

الصورة، والمسافة، وحتى غضبي القديم.

أن يعتذر أبوك، متأخرًا، هو أن يُسحب من يدك سلاح كنت تحمل ثقله طوال حياتك،

أن يُسحب منك سببك. كيف أعيش الآن دون هذا الحائط، الذي أعلق عليه كل مظلومياتي؟

تظل لسنوات تنحت ملامحك حول فكرة: أبي ظلمني.

يقول وهو يتأمل الأرض: "كنت صغيرًا... ولم أكن أفهم."

ويبدو كطفل فقد طريقه في بيتٍ بناه بيديه.

وتكرهه.

تكرهه لا لأنه ظلمك، بل لأنه اعترف.

تكرهه لأنه هش.

لأنه الآن بلا دفاع.

لأنه يُحبك، تمامًا حين لم تعد تريده أن يحبك.

أحيانًا أفكر أني كنت بحاجة لأن يظل قاسيًا.

كنت أحتاج أبًا أقوى من ذلك.

لا هذا الجسد الذي يرتجف أمامي، ويطلب أن نبدأ من جديد.

في كتاب خطوط الضعف، يكتب علاء خالد عن الأب كظلّ لا يثبت، كصوت خفيض، كغائب يسكن البيت ولا يسكن القلب.

يبدو لي أحيانًا أنه كتب أيضًا عن أبي.

عن أبي الذي لا يجيد الكلام، فيصمت.

وعن أبي الذي تكلّم أخيرًا، فأسكتني.

لماذا لا نُشفى من آبائنا؟

لماذا لا نُشفى منهم حين يكونون أقوياء، ولا حين يُصبحون ضعفاء؟

كأنهم مرآة مكسورة، كلما رمّمتها أعادت إليك وجهاك مبعثرًا.

لا أكرهه.

لكنني منذ ذلك الاعتذار، لم أعد أعرف كيف أراه.

لم أعد أعرف إن كنت لا أريد رؤيته، أم لا أريد رؤية نفسي أمامه.

فأنا الذي طالما رغبتُ في مواجهته،

أصبحت أُفضّل أن أُشيح بنظري كلما التقت أعيننا،

كأن الاعتذار أغلق ما كان بيننا، لا العكس.

الآن، أتجاهله بهدوء.

لا لأنني أكرهه،

بل لأنني لا أملك لغة جديدة أكلمه بها بعد أن سقطت اللغة القديمة في دموعه.

1 more comment...

No posts

Ready for more?